ابن أبي الحديد
136
شرح نهج البلاغة
وقوله : جبار القلوب على فطراتها . من قولك جبرت العظم فجبر إذا كان مكسورا فلامته وأقمته ، كأنه أقام القلوب وأثبتها على ما فطرها عليه من معرفته والاقرار به ، شقيها وسعيدها ، قال : ولم أجعل إجبارا هاهنا ، من أجبرت فلانا على الامر إذا أدخلته فيه كرها ، وقسرته ، لأنه لا يقال من أفعل فعال ، لا أعلم ذلك إلا أن بعض القراء قرأ : ( أهديكم سبيل الرشاد ) ( 1 ) بتشديد الشين ، وقال : الرشاد الله ، فهذا فعال من أفعل ، وهي قراءة شاذة ، غير مستعملة ، فأما قول الله عز وجل ( وما أنت عليهم بجبار ) ( 2 ) فإنه أراد وما أنت عليهم بمسلط تسليط الملوك ، والجبابرة : الملوك ، واعتبار ذلك قوله : ( لست عليهم بمسيطر ) ( 3 ) أي بمتسلط تسلط الملوك ، فإن كان يجوز أن يقال من أجبرت فلانا على الامر : أنا جبار له ، وكأن هذا محفوظا ، فقد يجوز أن يجعل قول علي عليه السلام : جبار القلوب من ذلك ، وهو أحسن في المعنى . وقوله : ( الدامغ جيشات الأباطيل ) ، أي مهلك ما نجم وارتفع من الأباطيل ، وأصل الدمغ من الدماغ ، كأنه الذي يضرب وسط الرأس فيدمغه أي يصيب الدماغ منه . ومنه قول الله عز وجل : ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه ) ( 4 ) أي يبطله والدماغ مقتل ، فإذا أصيب هلك صاحبه . وجيشات : مأخوذ من جاش الشئ أي ارتفع ، وجاش الماء إذا طمى ، وجاشت النفس . وقوله : ( كما حمل فاضطلع ) افتعل من الضلاعة وهي القوة .
--> ( 1 ) سورة المؤمنين 38 . ( 2 ) سورة ق 45 . ( 3 ) سورة الغاشية 22 . ( 4 ) سورة الأنبياء 18 .